الكاتب:أ. زهير شيخ تراب
هل أنت ميال إلى الولد أم إلى البنت؟ أيهما برأيك أفضل إلى ذويه؟ وأيهما أقرب إلى قلب الأم أو قلب الأب.
كثيرة هي الحالات التي نراها في المجتمع من مفاهيم عفا عليها الزمن، وأصبحت من الماضي السحيق، لكن بعض المجتمعات مازالت متأثرة بها، بدرجة قد لا تكون ظاهرة بشكل مباشر لكنها تطفو إلى السطح في بعض المواقف، رغم التطور الفكري والمعرفي والاجتماعي، لشريحة من المجتمع، أو للبيئة التي يعيشون فيها.
ومن هذه المفاهيم تفضيل الولد على البنت، ذلك الموروث الشعبي الذي مازال يحمل نكهة العصور الجاهلية القديمة، حين كان المجتمع يرفض المولودة الأنثى ويلجأ إلى وأدها حية إما في التراب أو في غياهب المجتمع كما يحدث في بعض المجتمعات التي نعيشها اليوم.
- ننتظر مولودا:
ما إن تحمل الأم بجنينها الأول حتى تنشب الشجارات الفكرية بين الأم والأب، وتتوسع إلى الأهل لكلا الطرفين، وتبدأ المداولات حول أفضلية ثمرة الحمل، أهل الأب يريدون الولد، فهو امتداد لاسم الأب، والمعين له. وأهل الأم يربدون بنتا أنثى تكون رفيقة لأمها تساعدها وتقف جانبها في الأيام القادمة.
وهكذا طوال فترة الحمل، فإن وضعت ولدا، ارتفعت رايتها ونالت حظوة عند زوجها وبيت حماها، حتى الجيران يتعاطفون مع المولود الذكر ويباركون، وتكبر (النقطة) والهدايا، وتقام الاحتفالات والموائد، فقد جاء الصبي، حامي الحما ومخلص الحقوق
أما إن كانت بنتا، فتبدأ المواساة بكلمات منمقة: الحمد لله على قيامك بالسلامة، الحمد لله على الخلاص والخلقة متل الناس.. عقبال الصبي، إرضي بالنصيب.
وهكذا يحاول الناس تخفيف وقع الفاجعة على الأم والأب، وكأن السماء قد وقعت على الأرض وكأن النحس قد حل بالعائلة.
ولكن هل لهذه النظرة أساس تستند إليه؟
- الصبي يطرد العدو من الدار:
يفرح الناس بالمولود الذكر لأنه يحجب الميراث عن أهل الأب، فبوجود الصبي لا يرث الأخوة ولا الأخوات إنما ينحصر الميراث في نسل الأب فقط، أما لو كان النسل بنات فينتقل الميراث إليهم.
- الصبي يحيي اسم أبيه:
قبل أن يشب الولد عن الطوق وفي نعومة أظفاره يكنى بأبي فلان على اسم أبيه، فهو ولي العهد وهو المعيل، وهو الوارث للصنعة أو المهنة والمكانة الاجتماعية، وامتداد لاسم العائلة من الأجداد إلى الأحفاد، فلا ينقطع ذكرها.
- أنت رجل البيت:
ومنذ نعومة أظفاره أيضاً، يعبأ بعبارات (تحفيزية) أنت رجل البيت وعليك المعتمد، وأنت الخليفة، وكن رجلا.. حتى ينتفخ ويصبح أكبر من حجمه، فلا يحتمل أن يسمع أية نصيحة فهو السيد الآمر الناهي، المسؤول عن البيت في غياب الوالد المتحكم بشؤونه الولي لأخواته وأمه وعليهم السمع والطاعة لما يأمر به وما يسمح به أو يمنعه.
- حلال عليه حرام على غيره:
يعتقد الولد أن كونه ذكرا يخوّله لعمل ما يشاء، فهو حر بنفسه وتصرفاته يفعل ما يشاء دون حسيب أو رقيب، لكن الأخوات الإناث لا يحق لهم ذلك فعليهن الرجوع إليه في أي أمر يردنه.
يحق له الخروج وليس لها أن تخرج إلا بإذن، وله حق الاختيار في الدراسة والعمل، وليس لها ذلك الحق، حتى العواطف والمشاعر فلا يحق لها تقرير حياتها المستقبلية أو اختيار الشريك إلا بمعرفته وموافقته، أما هو فقد يقلب ما يشاء من مشاعر مِن مَن يريد ولا أحد يحاسبه فيما يفعل.
فجميع المحرمات متاحة له ومحرمة على أخته الأنثى.. لأنها أنثى.
- الولد يحمل المسؤولية:
بحجة المسؤولية يعطى الذكر امتيازات عن البنت فهو من يعمل خارج البيت، وهو من كلف بالإنفاق وتأسيس العيلة، ودفع المهر وتأسيس المنزل والمصاريف الأخرى المترتبة على الزواج.
لكن ذلك يقع في خانة التكليف لا التشريف، فهي مسؤولية وليست درجة ولا امتياز يعلو به على الأنثى حتى وإن كان المعيل لها.
هذه الامتيازات تفرز تصرفات ظالمة نحو البنت، فعليها أن تخدم الصبي في شؤون المنزل من طبخ وجلي وغسيل وكي الملابس.. وقد تعزز الأم أو الأب هذه الفكرة عندما نأمر البنت بخدمة الأخ، فهل خلقت البنت لهكذا مهمة.
ألا ينبغي للصبي خدمة نفسه بنفسه؟ يضع الطعام، ويغسل الصحون التي استعملها وأن يصنع الشاي والقهوة لضيوفه، ويرتب ويكوي ملابسه فليست الأخت جارية تعمل لديه كما يظن بعض الأولاد.!
- البنت صنو الولد:
لا يكتمل المجمتع ولا يكون سويا إلا بتكامل الذكر والأنثى في جميع الأمور، فالمرأة تعمل مثل الرجل وقد فاقته في كثير من المجالات، فهي الطبيبة والمحامية والمدرّسة والمهندسة والعاملة حتى في سلك الجيش أو الشرطة فبأي شيء يتفوق عنها الذكر؟
- البنت تجلب العار!!!
ما هو مفهوم العار لدى المجتمع.. هل أن تسقط الفتاة في الرذيلة وتنحدر إلى الخطيئة.. أم أن أي تصرف للبنت هو عار على الأهل.
وفي المقابل إذا أساء الولد أو وقع في الخطيئة.. أو انحدر إلى الجريمة وما أكثرها في المجتمع، من سرقة أو قتل أو حتى مشاجرات، أو تعاطي المخدرات. وغير ذلك.. وأقلها المياعة أو الرعونة وعدم المسؤولية، هل هذا يرفع رأس العيلة ويشمخ بها.
إن الشب والصبية ينشآن حسب التربية وحسب القيم وكم من شاب اساء سمعة أهله وأساء لأخواته بسبب تصرفاته، فقطع نصيبهن من الزواج لسوء السمعة، وألحق العار بأهله بسبب جريمة أودت به إلى العدالة، حتى نبذت عائلته مجتمعيا وقاطعها الناس فكل أفراد العائلة في سلة واحدة بسبب تصرف ابنهم الولد الذي ترك له الحبل على الغارب لأنه ذكر..
- أفضل الأحوال:
أفضل الأحوال سوءا أن يكبر الشاب وينفصل عن أسرته، فيصير رهنا لبيته الجديد ويقصّر بواجباته نحو الأم والأب، ويتهرب من المسؤولية ويجفو أهله ويقسى قلبه بحجة العمل أو الزوجة أو الأولاد أو ضيق ذات اليد.
بينما البنت يكبر في قلبها الحنين إلى أهلها وتحن إلى الذكريات الماضية، فهي رقيقة القلب تحن على أبويها في كبرهم وتعطف عليهم وتكون أقرب من أخيها لتلبية حاجاتهم، وعندها هل يفيد تمييز الذكر الذي تخلى على البنت التي ترعى. وهل يندم الوالدان على ما فرطا بحق الأنثى؟ وهل ينصفها بعد الظلم الذي لحقها من تمييز.
- ثمار الزرع:
لم تعد الأنثى عالة على أخوتها فهي تعمل في جميع المجالات التي ذكرتها آنفا، ولم تعد محتاجة إلى أخ أو أب من الناحية الاقتصادية، بل وأصبحت تعطي والديها وتنفق عليهما حتى بعد زواجها فهي الوفية لما تلقت من رعاية أسرية. فإن ما زرعه الأبوين يثمر ولو بعد حين، ولم يعد الصبي هو المعين الوحيد للعائلة، وخاصة مع شظف العيش وصعوبة الحياة، كبر ومرض الأبوين.
- كلمة للإنصاف:
ما من قاعدة عامة يمكن إطلاقها على الحالات المجتمعية، فالبنت والصبي لا تدري أيهما أنفع إليك، فكلاهما قرة عين لك، وأنت من يجعل منهما بارين وفيين لك مخلصين، أو تزرع بينهما التميز والبغض والحقد، من خلال ظلم البنت على حساب الصبي، وإن التربية السليمة تتطلب العدل والمساواة بين الصبي والولد، وإعطاء كل منهما حقا من الرعاية والحنان والعناية.
إن نظرة المجتمع الذكوري للبنت نظرة ظالمة، ومحاباة الصبي على حساب البنت وتسليطه عليها من أشد العادات سوءا، ومن الموروث الذي يجب التخلي عنه وتصحيح المسار لرفع الظلم عن البنت، التي تأتي إلى المجتمع مدانة مسبقا، حتى لا تكون فأل سوء للعائلة بل إنسانة تستحق كل الحب والعناية فهي بهجة الأسرة وسر السعادة والفرح، والخير والبركة ومفتاح الرزق والحافظة لذكر أبويها البارة بهم.
وأخيرا البنت والصبي كلاهما خير، فأحسن معاملتهما تجد ثمرة التربية..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق