الموضوع

مدونة الشاعر زهير شيخ تراب

ادبية شعرية خاصة

الاثنين، 28 يناير 2019

المعرفة المعلوماتية واتساع الهوة بين الأجيال

الكاتب: أ.زهير شيخ تراب
كثيرا ما اشتكى الآباء وكبار السن عن عزوف الأبناء وجيل الشباب عن التواصل معهم والابتعاد عن مجالسهم، بل والاختلاف الفكري بينهم.
إن من سمات الحياة أن تتطور وتتقدم نحو الحداثة ومتطلباتها، نحو الأفضل والأسهل مما يؤمن رفاهية في الحياة تختلف عما كانت عليه في الأجيال السابقة، لكن التطور العلمي والتقني الذي أتاحته التكنولوجيا عامة والمعلوماتية خاصة ساعدت على اتساع الفرق بالقيم والمفاهيم حتى العادات والممارسات بين جيلين لا تتعدى فيه الفجوة الزمنية بضع سنوات. وكأنها متوالية عددية تتزايد بشكل خيالي كلما ارتفع العدد.
الأسرة ومفاهيمها بين القديم والحديث
كانت الأسرة فيما مضى تعيش حياة العائلة الكبيرة، يلتقي بها الجد والأب والحفيد في بيت واحد، نفس الأفكار والعادات والتقاليد، نفس القيم، الأعراف التي تحكم الجد نفسها يُلقنها الحفيد، فلا أحد يخرج عن سلطتها، ويحترم الصغير رأي الكبار ولا يخرج عن طوعهم وأرادتهم.
كانت الحكمة والتروي وسداد الرأي سمة لكبار السن، يتكئ عليها الشباب مع نزقهم واندفاعهم وحب المغامرة وخوض التجربة منفردين لكن تحت إشراف الكبار، يستأنس برأيهم ويلجأ إليهم عند كل منعطف، ومما ساد من عرف حينها قولهم( اكبر منك بيوم أعرف منك بسنة) و(يلي ماله كبير ماله تدبير)و( يلي ما عنده كبير يشتري كبير).
أما اليوم فقد اختلف الأمر وأصبحت الأسرة صغيرة، فقلّ دور الجد والأب بمسؤولياته، وأصبح الابن بعيدا عن مجتمع الكبار، فكثرت مصادر التأثير وتنوعت في المحيط الذي يعيش فيه، بعد أن كانت محصورة في جو الأسرة وعاداتها وتقاليدها ومفاهيمها المتوارثة، في بيت العائلة الكبيرة، وسلطة الكبير، وقد لعبت كثير من الأسباب دورا فاعلا في تكوين شخصية الجيل الجديد.
  1. ارتفاع سن الزواج:
قديما كان سن الزواج للرجل منخفضا، حيث كان الزواج المبكر يجعل من الفارق العمري بينه وبين أبنائه صغيرا، لا يتيح التغير فيه بالمفاهيم والقيم ووجود فجوة واضحة بينهما في التفكير. أما الآن فمع وجود صعوبات في تأمين متطلبات الحياة الزوجية من مسكن وأثاث ومهر وتلبيس الذهب وغيره، أصبح سن الزواج مرتفعا مما جعل فارق السن بين الأب والابن يربو على ثلاثين عاما وهو مقارنة لما كان يجعل فجوة فكرية بين الأجيال.
  1.  الثورة المعلوماتية وانتشار العلم:
كثرت الأبحاث العلمية في جميع المجالات وأصبحت المعلومات تتكاثر كالنار في الهشيم، من معلومات عامة إلى علوم خاصة إلى تخصص في جزئية معينة من العلم في الطب والهندسة والمعرفة وكثر العلماء والباحثون ففي كل ثانية معلومة جديدة مما يصعب مجاراته من قبل جيل نشأ على ندرة المعلومات وقلة المصادر وصعوبة الحصول عليها. ومواكبة التطور الهائل للعلوم بشتى أنواعها، حتى أن المناهج المدرسية التي درسها الوالد منذ عشرين سنة ويزيد هي نفسها درسها الابن وربما الحفيد. أما اليوم فقد تغيرت المناهج والأساليب التربوية والتعليمية، وهناك نظريات كانت سائدة ثبت عدم صلاحيتها أو خطأها فيما بعد.
  1.  التكنولوجيا وسهولة الوصول إلى المعلومة
أتاحت تكنولوجيا المعلومات من تطور الحواسب والشبكة العنكبوتية (الانترنت)  سهولة التوصل إلى أي استفسار عن أي معلومة مهما كانت صعبة، من خلال محركات البحث مثل (جوجل) وغيره، التوصل إلى المعرفة والإجابة عن أي سؤال خلال ثوان، مما يشكل لدى الجيل الجديد مخزون علمي معرفي واسع قد يتفوق به على الجيل الذي لم يواكب الوسائل الحديثة للمعلوماتية، أو لم تكن متاحة له في الماضي.
  1.  وسائل التواصل الاجتماعي والاتصال
أضف إلى ذلك صفحات التواصل الاجتماعي التي صارت مباحة لجميع الأعمار من (فيسبوك، وانستغرام، واتساب.... وغيرها) التي تجعل المستخدم يستغرق ساعات في تصفحها، وتلقي المعلومات ما هب ودب، منها الغث ومنها الثمين، ومنها الصحيح ومنها الخطأ ومنها الصادق ومنها الكاذب، إضافة إلى البروباغندا  الإعلامية التي تزيف الحقائق وتزور المعلومات، بغية تكوين رأي عام لغرض خاص، فتحارب مفاهيم وقيم اجتماعية لم يكن أحد يجرؤ على الخوض فيها من قبل مما يشكل اختلافا في الرأي بين الأجيال.
مع العلم أن البحث العلمي الأكاديمي يستبعد من مصادره المعلومات التي تأتي من الانترنت لعدم موثوقيتها في أغلب الأحيان فكثيرا ما نقرأ (أثبتت التجارب، أو أجرى باحثون، أو تشير النتائج، أو في استطلاع للرأي) وغيرها من العبارات والتي ليس لها أية دقة أو مصداقية من حيث المعلومة الأكاديمية.. فلا نعرف مَن الجهة التي قامت بالبحث ولا مصداقية مَن أجرى البحث ولا مَن استخلص النتائج ولا من شارك في الاستطلاع وغالبا هم قلة لا يشكلون إلا شريحة معينة تتبنى نفس الأفكار، كل ذلك يشكل خطرا على الفكر الذي يواجه أبناءنا لغايات أيديولوجية أو قيمية موجهة.
  1. تغير القيم الأخلاقية مع تغير الزمن
مع اتساع رقعة الجغرافيا المعلوماتية بدأت مصطلحات وقيم غربية تدخل إلى حياتنا ومجتمعاتنا، منها السوقي ومنها الأخلاقي ومنها الشكلي(الشكل الخارجي والموضة) ناهيك عن القيم الفكرية الغريبة التي تشربها الجيل الجديد، وأثرت به فزاد ابتعادا عن مجتمعه المتمثل بالمنظومة القيمية التي تربى عليها الأجداد والآباء، فأصبح جيلهم متخلفا لا يواكب التقدم العلمي والحضاري الذي تبناه الأبناء.
جيل أكثر ذكاء
الموبايل وألعاب الفيديو وحل الألغاز أمور تصعب على الكبير، ترى الطفل في سن مبكرة يستعمل الجوال، ويدخل إلى صفحات التواصل بسهولة لا يتمتع بها كبار السن رغم أنه لا يدرك كيف دخل إليها أو الغاية منها إلا اللعب والتسلية. ويتعامل مع المعلومات الرقمية بذكاء ويحمّل التطبيقات والبرامج بما يعجز عنه الكبار، هذا الذكاء يفتقد إلى الحكمة والدراية وحسن التصرف الذي يتمتع به الكبار.
ماذا خسرنا
في بحر متلاطم الأمواج من المعلومات يتخبط الجيل الجديد، فلا هو يعي مفهوم هذا التطور ولا يركن لمعلومات الكبار، فلا يميز صحيحها من عدمه، ولا يدرك غثه من ثمينه، فمجرد امتلاك المعلومة لا يمنح المرء تفوقا بعلمه، مدركا للمعرفة حائزا على الحقيقة المطلقة، يتعالى بها عمن أكبر منه فالخبرة والممارسة هي التي تعطي قيمة للمعلومة، وتمنح المعرفة والتفوق، وكيفية استخدامها، وهذا ما نريده وما قيل عنه الحكمة.
فالحكمة هي استخدام المعرفة في مكانها المناسب، وبالشكل المناسب للظروف الموضوعية، فليس كل ما يعرف يصلح لحل مشكلة، إنما بالحكمة ننتقي الحل من المعرفة المناسبة للمشكلة ذاتها، سواء علمية أو اجتماعية أو اقتصادية.. ومن هنا فابتعاد الشباب عن مجتمع الشيوخ يفقدهم الحكمة والخبرة، رغم اندفاع الشباب وحيويتها، وحب المغامرة التي قد تؤدي إلى غير المراد من الخطط والأساليب، أو تؤدي إلى مشاكل كارثية في بعض الأحيان، وخاصة في تقرير مصير ما في مجال ما.
إن تفتح الجيل على وسائل المعرفة الحديثة تجعله يتمتع بالذكاء أكثر من الأجيال السابقة، من حيث تعامله مع التكنولوجيا الحديثة مثل الكمبيوتر
مكانة الكبار في عقلية الشباب
إن اتساع الفجوة المعرفية بين الكبار والشباب أفقد الكبار مكانة كانوا يحتلونها في الحياة، فقد أصبح الأبناء يعتبرون أنفسهم أفهم من الكبار، وأن معلوماتهم تتفوق حتى على أساتذتهم ومعلميهم، فلم يعودوا بحاجة إلى مرجعية يركنون إليها، بل أصبح المعلومة تؤخذ من أقرانهم أومن محرك البحث، فيخطّئون من هم أكبر منهم سنا، ويستغنون عن خبرتهم و تجاربهم، وأصبحوا مكتفين بما لديهم من وسائل المعرفة.
وكثيرا مايكون صاحب القرار من فئة الشباب فلا يستمع لمستشاريه الشيوخ، فيقدم على كارثة اقتصادية أو إعلان حرب باندفاع عنفوان الشباب والمغامرة والرعونة.
الحلول وردم الهوة
أصبح من المؤكد أن المجتمع يسير على قدم واحدة، هي المجتمع الشبابي الذي يتولى الإدارة بمفرده، ظنا منه أنه يعرف أكثر، في غياب دور الشيوخ، لكن من البديهي أن تردم الفجوة بأن يستوعب جيل الكبار جيل الشباب، وينخرط في وسائل المعرفة الحديثة، ويثبت أنه قادر على مجاراة التطور تكنولوجيا ومعلوماتية، باستخدام وسائل التواصل، كما يجب على جيل الشباب أن يدرك أهمية الحكمة والخبرة في حل الأمور، وإيجاد الحلول لكل المشاكل التي تواجهه، وبالاستعانة بحكمة الشيوخ، وهكذا يسير المجتمع على قدمين بدلا من الوقوع في كوارث لا يحمد عقباها، فالاندفاع والتهور للكسب السريع أو للحلول الإسعافية المؤقتة لا ينهي المشاكل، وباختصار لابد للمستقبل من تاريخ وثوابت قيميّة يرتكز إليها فلا يفقد البوصلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صورة

صورة
المؤلف