الدروس الخصوصي بين
الضرورة والبرستيج
عندما كنا على مقاعد
الدراسة كان المعلم يضع كل جهده ليكون مدرسا ناجحا ويخرّج طلابا ناجحين بسويات
معقولة ولم تكن معدلات القبول الجامعي حينها مرتفعة كما هي الآن، ولكن على مرّ
الأيام وازدياد المعدل السكاني المرتفع وقلة المدارس مقابل هذه الزيادة السكانية
بدأت عوامل الترهل تتسلل إلى قطاع التعليم الرسمي، ومع سياسة الاستيعاب الجامعي
التي اعتمد تامين لكل حاصل على الشهادة الثانوية مقعد جامعي، أصبح الطلب على
الاختصاصات الجامعية أكثر من فرصها فارتفعت معها معدلات القبول وخاصة في الكليات
الطبية والهندسية والعلمية حتى وصلت إلى بعض الاختصاصات الادبية المطلوبة في سوق
العمل.وذلك بغية الاشتغال في المهن ذات الدخل المرتفع والمكانة الاجتماعية
العالية، وصار عدد الخرجين أكثر من فرص العمل ذاتها.
وكان الطلاب الضعفاء
في دراستهم يستعينون بمدرسين خصوصيين لبعض المواد للتقوية وكانت على نطاق محدود.
وسرعان ما تحول ذلك إلى ظاهرة منتشرة انتشار النار في الهشيم فقلة من الطلاب هم
الذين لا يعتمدون على مساعدة إما بالمجان أو بالدروس الخصوصية. فهل كان ذلك ضرورة
حتمية للطلاب أو أنه عدوى انتشرت بينهم بشكل وبائي سريع الانتشار. وكان لذلك
منكسات اجتماعية وتربوية مهمة سواء
السلبية منها والايجابية
أسباب نشوء الظاهرة
-
قلة فرص العمل والسعي لإجاد دخل فردي وخاصة للشباب حديثي التخرج
-
تحسين الدخل لمن يعمل بدخل محدود وقلة الأجور في التعليم وغيره
-
مسايرة الظاهرة اجتماعيا وركوب الموجة ( كما يقال موضة) حيث أصبحت
عادة للطالب لا يمكن الاستغناء عنها
-
تراجع مستوى التعليم في المدارس لأسباب عدة وعدم اكتفاء الطلاب بما
تقدمه المدرسة وخاصة في ظل وجود أعداد كبيرة من الطلاب في قاعة الدرس حيث لا يتمكن
المدرس من متابعتهم جميعا
-
غموض المناهج التي كانت تعتمد على المعلم وأصبحت تعتمد على الطالب
فكثير من تمارين المناهج وأسئلتها تعتمد على فهم الطالب وعدم استيعاب الطالب لما
يريده المنهاج وقلة خبرة المدرسين في إيصال المعلومة.
-
تقصير الطالب في دراسته وضياع الحصص الدرسية والانشغال بمواضيع جانبية
على حساب العملية التعليمية.
-
تعثر الطالب في بعض المواد الدراسية
-
ارتفاع معدلات القبول الجامعي إلى مستويات شبه تامة وحاجة الطلاب إلى
رفع سوية المعدلات بالدروس الخصوصي للحصول على اختصاصات جامعية ذات سوية عالية.
التي
-
تفهم بعض المشتغلين بالتعليم لعبة الامتحان واصطياد العلامات باطلاعهم
على سلا لم التصحيح وكيفية اختيار نماذج امتحانيه مماثلة لما يأتي في الامتحان مما
جعل الطلاب يتداولون التوقعات الامتحانية التي ينشرونها عن مدرسين الخصوصي.
مخاطر الدروس
الخصوصية على العملية التعليمية:
كلنا نعلم أن الدروس
الخصوصية تحقق فائدة على مستوى الفرد ولكن ماذا عن العملية التعليمية بشكل عام..
هناك أمور سلبية
تعكسها الدروس الخصوصية على التعليم عمومة قد ر تقف عند ما سأذكره من مخاطر
-
تراجع الاهتمام بالتعليم الصفي الجماعي من قبل الطالب أولا فهو لديه
فرصة تعويض ما فاته من المعلم في أو قات أخرى.
-
الاستخفاف بالأنظمة والقوانين المدرسية وعدم التزام الطالب بالدوام
وانشغاله عن تلقي العلم.
-
قلة احترام لمدرس الصف ووضعه في مقارنة مع مدرس الخصوصي من حيث
التفاعل والتقديم المعلومة ومستواه العلمي
-
تراجع في أداء المعلم لعدم تجاوب الطلاب معه في الدرس وشعوره بالغبن
لما يتقاضه من أجر مقابل ما يتقاضاه مدرس الخصوصي.
-
محاولة بعض المعلمين استدراج الطالب وعدم إعطائه ما يلزم ليحصلوا على
فرصة الدروس الخصوصي.
-
استدراج المدرس من قبل الطالب للحصول على مساعدة في ورقة الامتحان أو
معرفة نماذج الأسئلة قبل الامتحان مقابل أن المدرس يتقاضى أجر على الدرس الخصوصي
ويجب أن ينجح طالبه.
-
انشغال الطالب وتهربه عن الواجبات المدرسية وحلها بمساعدة المدرس
الخصوصي.
-
انحياز المعلم في الصف للطالب الذي يأخذ درسا خصوصيا لديه.
-
اشتغال مدرسين غير مختصين ومن خارج السلك التربوي في مجال الدروس
الخصوصي دون مراعاة أخلاقية مهنة التعليم.
-
الاستعلاء على قيمة المدرس بعد أن أصبح عاملا عند رب العمل الذي هو
الطالب يتقاضى منه أجر الدروس.
-
الحصول على المعلومة معلبة من قبل مدرس الخصوصي دون اشتغال أو جهد من
الطالب. ومثال ذلك ما يقوله المدرس للطالب اكتب هذا الجواب تأخذ علامة السؤال
وتكون العملية تلقينية بدلا من الفهم والاستيعاب
مخاطر الدروس
الخصوصية على المستوى الاجتماعي:
-
ظهور التفاوت الطبقي بين الطلاب بشكل واضح في المستوى المادي للأسرة
-
إرهاق أولياء الأمور أصحاب الدخل المحدود بمصروفات إضافية كبيرة.
-
إرهاق الطالب وتحميله عبئا إضافيا في متابعة الدرس وإشغال كل وقته مما
يؤدي إلى تعب جسدي وفكري ونفسي.
-
حرمان الطالب من الأنشطة الترويحية والهوايات بإشغاله على مدار الساعة
بالدراسة بين دوام المدرسة والمذاكرة
والدرس الخصوصي
-
إرهاق المدرس في ساعات عمل إضافية تكلفه إهمال الكثير من واجباته
الاجتماعية والأسرية.
-
ظهور تفاوت مادي بين المدرسين في التعليم والخصوصي.
-
ظهور التنافس المادي بين مدرسي الخصوصي للحصول على الأجر الأعلى فكلما
كان أجر المدرس أعلى زاد عليه الطلب لأنه ممتاز في مادته(فهمان)
-
انتشار ظاهرة الجلسة الامتحانية التي يتكدس فيها الطلاب ويحصل منها
المدرس في جلسة واحد مبلغا كبيرا يعادل أجر سنة كاملة من معاش المدرس الرسمي.
-
ظهور شريحة من الطلاب ذوو المعدلات العالية ولكنهم ليسوا على سوية
عالية من العلم نتيجة التلقين كما ذكرت آنفا.
-
نشوء علاقات اجتماعية غير مرغوبة قد تؤثر على الطلاب.
-
استغلال الأهل عن طريق الملخصات والأسئلة المحلولة التي يضعها مدرسي
الخصوصي.
الإيجابيات الناتجة
عن الدروس الخصوصي:
مع ما ذكرن مت سلبيات
فلا تخلو الدروس الخصوصية من الايجابيات وأذكر منها:
-
رفع كفاءة الطالب الذي هو بحاجة ماسة للمساعدة في بعض المواد. وتعويض
النقص الحاصل من التعليم الرسمي. وتفاوت مستوى استيعاب الطلاب فمنهم من يحتاج إلى إعادة
الدرس وتكراره وتبسيطه للفهم حسب مستوى الطالب.
-
فسح المجال للاهتمام والمتابعة للطالب بشكل منفرد والوقوف على مواطن
الضعف وتقويتها
-
تخفيف العبء عن الأهل في متابعة دراسة أبناءهم.
-
تعويد الطالب على مراجعة الدروس والواجبات بشكل مستمر
-
استدراك ما فات خلال العام ومراجعته قبل الامتحان.
-
الشد من عزيمة الطالب ومساعدته نفسيا على دخول الامتحان دون رهبة
-
تأمين دخل لمن لم يحصل على فرص عمل.
-
تعليم الطلاب الذين حرموا من التعليم الرسمي لأسباب خاصة بهم ومتابعة
تعليمهم بشكل حر.
كلمة اخيرة
لا يمكن أن نحكم على
الدروس الخصوصية سلبيا أو إيجابا فهي ضرورة لمن لديه ضرورة ويحتاج إلى مساعدة
للنجاح أو التفوق. لكنها كارثية اذا استغلك بشكل سيء وانتقلت لتكون بديلا عن التعليم
العام أو منافسا له فإن ذلك ينعكس سلبا على المجتمع من حيث فرص التعلم والتفاوت
الطبقي وحرمان الفقراء من متابعة تعليمهم لغلو المدرسين في طلب الأجر العالي للدرس
الخصوصي حيث يفقد التعليم العام ألقه
ويتراجع في سويته الإنتاجية ومستوى مخرجاته لأن المدرسين انصرفوا إلى
التعليم الخاص الأكثر أجرا وأفضل اجتماعيا.
ومن هنا علينا أن
نقدر مقدر الضرورة فلا إفراط ولا تفريط. فمن بحاجة للدرس الخصوصي نؤمنه له كمساعدة
وتكميل للتعليم العام. فلا تصبح الظاهرة منتشرة كما تنتشر الموضة ولا نتخذه
للمفاخرة (البريستيج) حتى يتعالى الطلاب بما لديهم من مدرسين تحت الطلب.
زهير شيخ تراب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق