من دفتر مذكراتي
سيران العشاق
كنتَ إذا خرجتَ باتجاه الشمال حتى تقطع جامع القصور.. تدخل مباشرة في البساتين الممتدة من جسر تورا شرقا حتى العدوي فأبي جرش (ركن الدين) غربا.. وهذا الحيز أصبح شارعا عاما يفصل التجارة عن الحدائق التي تفصله عن اوتوستراد العدوي...
وتتجه شمالا حتى لتصل الى بساتين برزة التي شيد فيها حي مساكن برزة الذي يبدأ بكلية الزراعة شرقا الى مشفى ابن النفيس غربا ..
وهناك شارع طويل يبدأ من نهاية كورنيش التجارة (ولم يكن قد فتح بعد) تدخل فيه بين أشجار الجوز والزيتون حتى تصل الى كلية الزراعة.. ذلك هو الدرب الذي كان مسارا للتنزه والاستجمام من حرّ البيوت وضيقها.. وكانت جموع الشباب والصبايا تتدرج جماعات ووحدانا على هذا الدرب ذهابا وإيابا.. يتبادلون الأحاديث الشيقة او يستمعون للاغاني من المذياع الصغير. وخاصة أغاني أم كلثوم.. وعبد الحليم حافظ. وربما سمعت أصوات البعض منهم وهم يرددون أغان عاطفية بأصواتهم المنخفضة يسلّون انفسهم بها ويبثون مشاعرهم لمن معهم..
ذلك لمن أراد الصعود شمالا إلى كلية الزراعة.. وكان الطريق ترابيا غير معبد وقد يمرّ به بين الحين والآخر بعض السيارات..والدراجات..
أما من أراد التوغل أكثر بين البساتين فيتجه غربا باتجاه بساتين العدوي إلى بساتين ركن الدين.. ويصادف البساتين المحاطة بحيطان من اللبن(الدك) لمنع الناس من الدخول إليها وليبقوا على الطريق المحاط بالأشجار وارفة الظلال..
ربما وصلت بين البساتين الى نهر (قليط) عالي المياه.. أو وصلت إلى بعض البيوت الريفية المتفرقة.. وكان بيت أحد أقاربنا هناك في البستان...نذهب إليه... أحيانا..
أو أنك تصل إلى مطحنة السوس. (مطحنة شنان).. ولن تجد فيها أحد وبإمكانك أن تحصل على عود السوس من الأرض مبعثرا هنا وهناك لتبدأ بامتصاص السوس منه في طريق العودة..
غالبا ما كنا نصطحب كتابا لندرس فيه مع ( التمشاية) ونجلس تحت بععض الأشجار نراجع بعض الدروس أو نلعب في الطريق.. ولا بد من العودة قبل غروب الشمس لوحشة الطريق ليلا..
أما مكان حديقة الحيوان الآن كان بعض البيوت السكنية..(حارة) متراصة البيوت ربما بقي بعضعها إلى الآن ولكن أكثرها أزيل بعد اقامة بعض المنشآت وفتح اتوستراد الفيحاء والمدينة الرياضية وقد حضرت حفل وضع ححر الاساس لها فين حينه...
وبقي حي وبساتين في منطقة أبي جرش ومازالت إلى الآن.. على يمين اتوستراد الفيحاء..
لقد أتي اتوستراد العدوي على معالم المنطقة ولم تعد كما أذكرها .. لكنها لم تقم إلى الان بنايات فيها إلا من طرف مسكن برزة التي توسعت جنوبا .. وبقي بساتين ومشاتل على الطرف الشمالي لطريق العدوي.
ولا ننسى البانوراما أو متحف حرب تشرين الذي أقيمت أول الطريق من الشرق.. بعد عقدة القابون..
مازال السيران هذا في ذاكرة أهل الحي وقد كان متعة ومتنفسا فلا أعتقد أن أحدا من أبناء جيلي لم يتدرج على هذا الدرب.. ولم يكن له مرتعا للصبا وموئلا للبهجة ودفترا لاجمل ذكرياته. يدون فيه أسماء من عرفهم وشاركوه خطوات ذلك المشوار..
إنه درب العشاق .. عشاق الطبيعة والجمال..
بقلمي زهير شيخ تراب
ماشاء الله تسرد المواقع وكأني بها الآن شكرا لك أستاذ زهير
ردحذف